You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
كيف تأثرت البقلاوة في الخليج بإغلاق مضيق هرمز؟
- Author, إيثار شلبي
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- مدة القراءة: 5 دقائق
قد تبدو قطعة البقلاوة مجرّد حلوى شرقية تقليدية تُقدَّم في المناسبات، لكن خلف طبقاتها الرقيقة من العجين والقطر والمكسرات، تقف سلسلة إمداد عالمية شديدة الحساسية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية، بدأت هذه القطعة الصغيرة تعكس اضطرابات أكبر بكثير من حجمها، طالت أسعار الفستق والزعفران ومكونات أساسية أخرى في صناعة الحلويات، لا سيما في أسواق الخليج التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الاستيراد.
تحدثنا مع سيف، صاحب منشأة حلويات شرقية تمتلك فروع عدة في دبي والشارقة وعجمان وأبو ظبي، وقال لنا إن أسعار المنتجات النهائية لم تشهد أي زيادة حتى الآن، مرجّعاً ذلك إلى سياسة التخزين المسبق للمواد الخام، خصوصاً الفستق، الذي يُشترى بكميات كبيرة قبل المواسم مثل رمضان وعيدي الفطر والأضحى.
لكن سيف يوضح أن التأثير الحقيقي يظهر في سوق المواد الخام نفسه، إذ شهدت أسعار الفستق، وخاصة الإيراني المعروف باسم "الكال"، ارتفاعاً بنحو 15 في المئة نتيجة صعوبات وصول الشحنات بعد تعطل مسارات مرتبطة بإيران. كما يشير إلى أن الفستق الحلبي السوري والفستق التركي "العنتابي" ما زالا متاحين، وأسهما في الحد من حدة الارتفاع.
ويضيف سيف أن بعض التجار استغلوا الأزمة ورفعوا الأسعار بنسب تتراوح بين 10 و15 في المئة، رغم وجود بدائل لم تشهد الارتفاعات ذاتها، مشيراً أيضاً إلى أن الزبيب الإيراني ارتفع بنحو 10 في المئة.
أما علي، وهو بائع في أحد متاجر الزعفران في دبي، فيقول إن السوق لا يزال يشهد حالة من التوازن النسبي رغم التوترات في سلاسل الإمداد. ويوضح أن سعر 10 غرامات من الزعفران الإيراني يبلغ نحو 70 درهماً إماراتياً (19 دولاراً أمريكياً)، مؤكدًا أن الأسعار لم تشهد قفزات حادة حتى الآن داخل المتجر.
ويضيف علي أن لديه مخزوناً يقدَّر بنحو كيلوغرامين من الزعفران جرى حِفظه قبل شهر رمضان، وهو ما ساعد على تثبيت الأسعار خلال الفترة الحالية. كما يشير إلى أن تغيرات أسعار الزعفران غالباً ما ترتبط بعوامل عالمية أوسع، من بينها أسعار النفط وتكاليف الشحن، ما يجعل هذا السوق حساساً لأي اضطرابات في حركة النقل الدولية.
وتشير تقارير اقتصادية أممية حديثة إلى أن ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية تمر من خلال مضيق هرمز، هذا إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والسلع الأساسية.
وفي سياق متصل، أشارت تحليلات اقتصادية دولية إلى أن إيران نفسها تخسر يومياً مئات الملايين من الدولارات نتيجة تعطل أو تقييد حركة الشحن عبر المضيق، ما يعكس حجم التداخل بين البعد السياسي والتكلفة الاقتصادية للأزمة.
سوق الفستق الإيراني خارج الخليج
تعليقاً على وقف إمدادات الفستق الإيراني في دول الخليج، قال بهروز آغا، مسؤول في رابطة الفستق الإيراني - وهي منظمة غير حكومية معنية بكل ما يتعلق بالتجارة في الفستق الإيراني وتصديره وزراعته، في مقابلة مع بي بي سي عربي، إن ما يحدث في المنطقة يُعد مرحلة مؤقتة في سياق تاريخ طويل من العلاقات التجارية بين إيران ودول الخليج.
وأوضح قائلاً: "الوضع الحالي أوقف تماماً صادرات الفستق والزعفران والزبيب بين إيران وجيراننا الجنوبيين، لكننا نأمل أن تكون هذه فترة قصيرة وأن تعود الأمور إلى طبيعتها سريعاً".
وينفي آغا تقارير تفيد بزيادة وفرة الفستق الإيراني وانخفاض سعره محلياً بسبب وقف الصادرات عبر هرمز، مشيراً إلى أن صادرات إيران من الفستق لا تعتمد على سوق واحدة ولا تقتصر على السوق في الخليج، بل تمتد إلى أسواق متعددة حول العالم كالصين والهند وأوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
وأضاف أن الإمارات تمثل مركزاً لإعادة التصدير أكثر من كونها سوق استهلاك مباشرة.
وقال آغا إن إيران صدّرت بين أغسطس/ آب وفبراير/ شباط ما بين 2 إلى 3 آلاف طن من الفستق إلى الخليج، معظمها إلى دبي، للاستهلاك المحلي وإعادة التصدير، مؤكّداً أن هذه الكميات تبقى محدودة مقارنة بإجمالي الإنتاج الإيراني. وأضاف آغا: "إنتاج إيران يبلغ نحو 220 ألف طن من الفستق، وما يُصدَّر إلى الإمارات يمثل نسبة صغيرة جداً من هذا الرقم".
وفي عام 2023، استوردت الإمارات من إيران زهاء 7 آلاف طن من الفستق، بينما بلغ حجم الاستيراد للفستق ذاته في 2024 نحو 15 ألف طن. أما في الأشهر السبعة الأولى من العام الماضي، فبلغ حجم الشحنات من الفستق الإيراني إلى الإمارات قرابة 12 ألف طن، وكان معظمها لإعادة التصدير، وفقاً لآغا.
وكانت آخر شحنة من الفستق الإيراني قد وصلت إلى الإمارات قبل نهاية فبراير/شباط الماضي، وذلك عندما بدأت الهجمات الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران. ويقول آغا إنه عادة ما تورد إيران للإمارات من أربعة إلى ستة آلاف طن من الفستق الإيراني كل ثلاثة أشهر - وهو ما يعني أنه من شهر فبراير/ شباط الماضي إلى مايو/أيّار الحالي، لم تصدر إيران هذه الكميات إلى الإمارات.
وربما يؤدي وقف الشحنات من المنتجات الإيرانية إلى دول مجلس التعاون الخليجي إلى البحث عن بدائل أخرى، خاصة من الفستق التركي والسوري لإنتاج البقلاوة في السوق الخليجي، وهو ما قد ينتج عنه استغناء تدريجي عن الفستق الإيراني في الإمارات، ما يعني خسارة إيران للأسواق الخليجية على المدى الطويل.
وبينما تبقى أسعار الحلويات في أسواق الخليج مستقرة نسبياً حتى الآن، فإن استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد قد يفرض ضغوطاً بشكل تدريجي على تكلفة المكوّنات الأساسية، حتى على مستوى تفاصيل صغيرة مثل قطعة البقلاوة على سبيل المثال.
وهنا، تشير التقديرات الاقتصادية إلى أنه نظراً لزيادة أسعار الفستق الإيراني بسبب وقف الصادرات، فمن المتوقع أن يرتفع سعر قطعة البقلاوة ما بين 10 و20 في المئة.
تهديد الإنتاج الغذائي العالمي
وبعيداً عن توقف صادرات الفستق الإيراني إلى الخليج، أدّت الحرب في إيران إلى اضطراب إمدادات الأسمدة ومكوناتها الأساسية، ما أثار مخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي. وحذر الرئيس التنفيذي لشركة "يارا"، إحدى أكبر شركات الأسمدة في العالم، من أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز يؤثر مباشرة على توافر الأسمدة، مضيفاً أن انخفاض استخدامها قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، خصوصاً في الدول الفقيرة.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يمر نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، مثل اليوريا والبوتاس والأمونيا والفوسفات، عبر مضيق هرمز، فيما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 80 في المئة منذ بداية الأزمة. وينعكس ذلك على أسعار المنتجات الغذائية والزراعية في الخليج، ومنها الفستق، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والإنتاج والتوريد.